Monday, January 26, 2009


القبور ..... يوسف أدريس


=========


«كانت أشجار الكافور طويلة متباعدة وحيدة، وأوراقها تخرفش وتوشوش بنغم مبهم غامض وكان الطريق الذى أتى منه مهجورا كعادته، والناس يسلكون غيره من الطرق، والأطفال يخافونه وينسجون حوله أقاصيص الغيلان وقصور الجن، وأمامه كانت تتبعثر المقابر متقاربة متلاصقة فى سكون أمين صادق، وعدم لا رجعة منه، وهناك على قبوة الشيخ أبى المعاطى الذى لا يؤمه أحد، وقف غراب أسود ينعق فى إلحاح. وعلى بعد خطوات منه كان أبوه يرقد فى قبره وفوقه أحجار وأزمان.
وراح فى شيء ممزوج من الوحشة والخوف يحدق فى بياض القبر، ويقرأ الكلمات التى نقشتها يد فنان القرية فى سذاجة وبلا تزويق. وقرأ الكلمات مرارا، ومع كل حرف كان يستعيد عاما قضاه فى بحبوحة أبيه، ويذرف عقله الذكريات.
كان الرجل طيبا.. عبقريا فى طيبته، والبسمة دائما تضيء وجهه الأسمر المرح، وتنير الطريق أمام الناس إلى إنسانيته. وسبح فى سيال طويل من الذكريات. ولكنه لم يبلغ منتهاه فقد شعر بعاصفة من الشوق تجتاحه.. الشوق إلى ضحكة أبيه العريضة الخالية من الهم، والشوق إلى كل دقيقة عاشها معه. ولم يستطع المقاومة، وارتمى على القبر وطوق جذعه المستدير بذراعه وبكى. وكان وهو يبكى كأنما يعتصر حياته فى دموعه فلا يبقى فيها إلا قشر تافه جاف. وذكرته الدموع وهى تنحدر على وجهه بعرق أبيه، والصيف، وإقباله الباسم عليه، ويديه القويتين حين يضمه وكان حينئذ يقبله ويتحسس ما جاء به إليه فيقبله مرة أخرى. كان كلما تذكر الصيف، وكلما تذكر الشتاء بكى وبكى حتى يخيل إليه أن الدنيا تتسلل من أمامه حاملة كل ما لها وما عليها، تاركة إياهما وحيدين متعانقين!
وعى عما يشغله عن البكاء. كذلك راح يخطط بإصبعه رغما عنه فى تراب الجبانة الذى أمرضته شمس العصر والإنسان حين يبكى يبحث دون ....
وبدأت إصبعه تتعثر فى قطع العظام وتستخرج بقايا شعر آدمى، وتصطدم بالأسنان البشرية التى ابتلعها الرماد. وشغله خاطر جعله يكف عن البكاء تماما.. فهو يستطيع أن يقسم أن هذه العظام ليست لأبيه، فأبوه يرقد من زمن تحت هذا الطين، ولكن.. غدا.. أو بعد غد.. من يدرى؟
ألن تبعثر عظامه وتطفو أسنانه هكذا فوق الأرض؟ وما يدريه أنه لن يستحيل غدا إلى هذا التراب أو هذه الكومة؟ ودار السؤال فى رأسه دورات، وفى كل مرة تزداد حيرته، وتظلم الحدائق
أمامه، وتبعد، حتى بدأ يشك فى القبر الذى يعانقه حين يتأمل فى صوت مرتجف لكنه مسموع:
- حقيقة.. ما الذى أعانقه؟
وجاءه الجواب شاحبا عليلا ميت الروح كشمس العصر..إنه يعانق قبرا من تراب فوق كومة من تراب!
وعز عليه أن تفقده هذه الحقيقة البسيطة كل ما بقى له من أبيه، فسأل نفسه مرة أخرى ليفحمها إفحاما
- وأين قبر أبى إذن؟
ومن بين طيات نفسه برز له خاطر عجيب، فقد أدرك أن أباه هناك.. فى عقله.. فى تلافيف مخه، حيث يستقر القبر الذى يضم حياته ومماته وكل السنين التى قضاها تحت أجنحته. وأما القبور التى تتبعثر أمامه فهى نواتيء جوفاء من أرضنا السمراء.
وعاد إلى القرية فى ذلك اليوم بحقيقة هائلة جديدة».

Thursday, January 01, 2009


رسائل الي ميلينا

======

كفافيس
السكندري اليوناني الشاعر

==========

عزيزتي ميلينا ،
كتبت لك ملاحظة من براغ ، و بعدها من ميران. لم أحصل على جواب. في الحقيقة الملاحظات لا تحتاج إلى جوابٍ عاجل ، فإذا كان صمتكِ لا يعني سوى إشارة إلى محافظة نسبية - و هذه عادةً ما تعبر عن نفسها في شعورًا بالنفور من الكتابة- فأنا راض تمامًا.
لكنه من الممكن –و لهذا أنا أكتب هذه الرسالة- أن أكون قد أهنتكِ بطريقة ما في ملاحظاتي (يا لها من يدٍ خرقاء التي أملك ، تعاكس كل نواياي ، لا بد أنها كذلك) أو لربما في الحقيقة أسوأ من ذلك ، بأن تكون اللحظة التي تأخذين فيها أنفاسكِ من الذي كنتِ قد كتبته ، قد ولت مجددًا و مرة أخرى وقتًا سيء يجيئكِ.
للاحتمال الأول ، لا أملك شيء لقوله ، إذ أنه من المستبعد لي ، و كل شيء آخر هو أقرب. حول الاحتمال الآخر ، لن أنصح –و كيف لي أن أفعل- لكن ببساطة أسأل : لما لا تخرجين من فيينا لبعض الوقت؟ بعد كل شيء ، أنتِ غير عديمة المأوى مثل الآخرين. أليست رحلة قصيرة إلى بوهيما قد تعطيك بعض النشاط ؟ و ما إذا كنتِ -لسبب لا أعرفه- لا ترغبين بالذهاب إلى بوهيما ، فلما لا تذهبين إلى مكانٍ آخر ، ربما تكون ميران. هل تعرفينها ؟
لذا أتوقع إحدى الأمرين ، إما أن تستمرين في صمتكِ و الذي يعني "لا تقلق أنا بخير". أو لربما بعض الأسطر.
ألطف تحياتي كافكا
لقد حصل لي أنني لا أتمكن من تذكر تفاصيل وجهكِ الدقيقة. فقط كيف خرجتِ من بين طاولات المقهى ، شكلكِ الخارجي ، فستانكِ ، هذه الأشياء أملك تذكرها.

Friday, November 28, 2008

video

she takes the back road and the lane

past the school that has not changed

in all this time

she thinks of when the the boy was young

all the battle she had won

just to give him life

that man . she loved that man

for all his life

but now we meet to take him flowers

and only god knows why

for what,s the use of pressing palms when children fade in mother,s arms

it is cruel world we have so much to lose

and what we have to learn we rarely choose

so id it is god who took her son

he can not be the one

livivng in her mind

take care my love she said

so not thing that god is dead

take care my love she said

you have been loved

if i was weak

forgivr me

but i was terrified

you brushed my eyes witha angels wings full of love

the kind that makes devils cry

so these days my life has changed

and i will be fine

but she just sets and count the hours

searching for her crime

so what the use of pressing palms

if u want will not keep such love from harm

it is cruel world

you have so much to prove

and heaven helps the ones who wait for you

well. i have no daughters i ahve no sons

guess i,m the only one

livivng in heeeer life

الغريب

- مَن تحب أكثر، أيها الإنسان اللغز، قل؟ أباك، أمك، أختك، أم أخاك؟
- ليس لي أب، ولا أم، ولا أخت، ولا أخ.
- أصدقاءك؟
- أنت تستعمل كلامًا لا يزال معناه حتى اليوم خافيًا عنِّي.
- وطنك؟
- أجهل في أيِّ خطِّ عرض يقع.
- الجمال؟
- أحببته بطيبة خاطر، إلهًا وخالدًا.
- الذهب؟
- أكرهه كما تكره أنت الله.
- إذًا، ماذا تحب، أيها الغريب العجيب؟
- أحب الغيوم... الغيوم العابرة... هناك... الغيوم الرائعة!
بودلير
* * *
لكلٍّ سرابُه

تحت سماء شاسعة رمادية، في سهل أغبر رحيب، بلا دروب، بلا عشب، ولا شوك، أو قرَّاص، التقيت كثيرين من الناس كانوا يسعون منحني الظهور.
كلٌّ كان يحمل على ظهره سرابه الهائل، كأنه كيس طحين ثقيل، أو كيس فحم، أو عُدَّة جندي روماني.
لكن هذا الحيوان المرعب لم يكن ثقلاً جامدًا؛ بالعكس، كان يحيط به، ويضغط عليه بعضلاته المطاطية والقوية؛ ويتعلق بصدر مطيَّته بمخلبيه العريضين، ورأسه الخرافي يعلو جبين الإنسان، كتلك الخُوَذ المخيفة التي كان المحاربون القدماء يأملون أن يخيفوا بها العدو.
وسألت أحد هؤلاء الناس: إلى أين ذاهب؟ أجاب بأنه لا يعرف، لا هو ولا الآخرون، لكنهم أكيدًا كانوا يتجهون إلى مكان ما، لأنهم كانت تدفعهم حاجةٌ لا تُقهَر إلى السير قُدُمًا.
إنه لأمر عجيب جدير بالملاحظة: لم يكن أيٌّ من هؤلاء المسافرين يبدو ساخطًا على هذا الحيوان المتعلق بعنقه والمتشبث بظهره، بحيث يُخيَّل إليك أنه يعتبره جزءًا منه. تلك الوجوه المتعَبة والرصينة كلها، لم تكن تُظهِر أيَّ يأس، تحت قبة السماء الكئيبة، وبأقدام غائصة في تراب أرض مغمومة كما السماء كانت تسير بملامح مستسلمة كأولئك المحكومين بالأمل إلى الأبد.
ومرَّ الموكب بقربي، وغاب في مدى الأفق، حيث سطح الكرة الأرضية المستدير يتوارى عن فضول النظر البشري.
حاولت لبضع ثوانٍ أن أتفهم هذا السر، لكنْ سرعان ما أطبقت عليَّ اللامبالاة اللاتُقهَر، حيث أحسست كأني مثقل بشكل فظيع، أكثر مما كان أولئك المثقلون بسراباتهم الساحقة.
بودلير
* * *
بوهيميتي
كنت أتمشى ويداي في جيبيّ المهترئين
معطفي هو الآخر صار مثالياً
تحت السماء يا ربة الشعر أسير مخلصاً لكِ
وآهٍٍ آه . كم من حب رائع به حلمتُ
.سروالي الوحيد به ثقب هائل
كنت في جولاتي مثل الصغير الحالم "عقلة الأصبع"
أفرفط القوافي ، وكان مقامي في " الدب الأكبر"
وكان لنجوم سمائي حفيف جميل
طالما أصغيت إلى حفيفها
وأنا جالس على حافة الطريق
في تلك الأماسي من سبتمبر
كنت أستشعرقطرات الندى على جبيني كخمر العافية
في الظلال الوهمية كنت أنظم أشعاري
أما قيثاري: فكنت أجذب شيئا طريا من حذائي الجريح
وأتكئ بقدمي على قلبي
...
أرتور رامبو
* * *
أوفيليا
على الموجة الهادئة السوداء حيث تنام النجوم
تطفو أوفيليا البيضاء كزنبقة كبيرة
تتماوج ببطء شديد وهي في غلالتها الفضفاضة
تُسمع في الغابات القصية صيحات هجومية
وهكذا تمر أكثر من ألف سنة على الحزينة أوفيليا
وهي شبح أبيض فوق صفحة النهر الأسود الكبير
أكثر من ألف سنة وجنونها الجميل
يهمس بحكايتها إلى أنسام المساء
تقبل الرياح صدرها، وتبسط - على هيئة تويجات-
غلالتها الرقيقة المتناثرة باسترخاء على صفحة الماء
يبكي الصفصاف المرتعش على كتفها
وعلى جبينها العريض الحالم تسجد أعواد القصب
آه يا أوفيليا الشاحبة الجميلة كالبَرَد
أجل قضيتِ يا صغيرتي حيث جرفكِ النهر
والرياح الهابطة من مرتفعات النرويج العالية
كانت قد حدثتكِ- هامساً- عن الحرية اللاذعة
السماء الحب الحرية: يا له من عام أيتها المجنونة البائسة
إنكِ تذوبين فيه كما تذوب الثلجة في النار
وأوهامك الكبار كانت تخنق صوتك
واللانهائي المخيف كان يرعب عينيكِ الزرقاوين
أرتور رامبو

Friday, August 29, 2008



مقالة الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط .... عن أجابة سؤال .... ما التنوير ؟؟
من تعليق للعزيز علان العلاني في تعليقه لدي المعنون تحت اسم الدوجماتية و دوجما الدوجما2 سطوع وأفول المفاهيم .....



التنوير(1) هو خروج الإنسان من القصور(2) الذي يرجع إليه هو ذاته. القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير.

يكون هذا القصور راجعا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمن في غياب الفهم، بل في غياب العزم والجرأة على استخدامه دون قيادة الغير ....تجرأ على استخدام فهمك الخاص!هذا إذن هو شعار التنوير




إن الكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم، حتى بعد أن تكون الطبيعة قد حررتهم، منذ مدة طويلة، من كل قيادة خارجية


والذي يجعل أخرين ينصبون أنفسهم بسهولة أوصياء عليهم. إنه من المريح جدا أن يكون المرء قاصرا. إذا كان لدي كتاب له فهم نيابة عني، وواعظ له ضمير نيابة عني، وطبيب يحدد لي نظام تغذيتي الخ، فإني لن أحتاج إلى أن أجتهد بنفسي. ليس من الضروري أن أفكر ما دمت قادرا على أداء الثمن؛ ذلك أن الآخرين سيتحملون هذا العمل المزعج نيابة عني. أما أن الأغلبية الساحقة من الناس (وضمنهم الجنس اللطيف بأكمله) يعتبرون أن الخطوة نحو الرشد، فضلا عن أنها شاقة، خطيرة جدا كذلك، فهذا ما سبق أن دبره أولئك الأوصياء الذين يتحملون الإشراف العام عليهم بطيبوبة تامة. فبعد أن يجعلوا أولا ماشيتهم مغفلة، وبعد أن يحرصوا بعناية على ألا يسمح لـهذه المخلوقات الهادئة بأن تتجرأ على القيام بخطوة واحدة خارج عربة المشي(6) التي حبسوها داخلها، بعد ذلك يبينون لهم الخطر الذي يتهددهم إذا ما حاولوا المشي بمفردهم.صحيح أن هذا الخطر ليس بالذات جد كبير، لأنهم سينتهون بتعلم المشي بعد أن يسقطوا بضع مرات؛ إلا أن مثالا واحدا من هذا النوع يثير الوجل لدى المرء ويردعه عموما عن القيام بمحاولات أخرى.

إنه إذن لمن الصعب على أي إنسان بمفرده أن يتخلص من القصور الذي أصبح تقريبا بمثابة طبيعة له. بل أكثر من ذلك، إنه غدا يحبه، وهو في الوقت الحاضر عاجز بالفعل عن استخدام فهمه الخاص، لأنه لم يسمح له أبدا بأن يحاول ذلك. إن النظم والقواعد، هذه الأدوات الميكانيكية لاستعمال المواهب الطبيعية، أو قل لسوء استعمالها، هي بمثابة قيود للقصور الدائم. وحتى من خلعها، لن يتمكن من القيام إلا بقفزة غير آمنة فوق أضيق الحفر، لأنه لم يتعود على مثل هذه الحركة الحرة. لـهذا السبب، لم يوفق إلا القليلون في أن ينتزعوا أنفسهم من حالة القصور بواسطة مجهودهم الخاص وأن يسيروا مع ذلك بأمان.أما أن ينور جمهور(7) ذاته، فهذا بالأحرى ممكن، بل إنه تقريبا أمر محتم إذا كان هذا الجمهور متمتعا بالحرية. ذلك أنه، في هذه الحالة، سيوجد دائما، حتى بين من نصبوا أنفسهم أوصياء على الأغلبية، بعض الذين يفكرون بأنفسهم ، والذين، بعد أن يتخلصوا هم أنفسهم من ربقة القصور، ينشرون حواليهم روح تقدير عقلي لقيمة كل إنسان واستعداده لأن يفكر اعتمادا على نفسه. والغريب هنا أن الجمهور الذي سبق أن وضع من قبلهم تحت ربقة هذا القصور، يجبرهم بعد ذلك، هو أيضا، على أن يظلوا تحتها، إذا حرضه على ذلك بعض أوصيائه العاجزين عن التنوير. إلى هذا الحد يكون ترسيخ الأحكام المسبقة مضرا، لأنها في الأخير تنتقم لنفسها من أولئك الذين كانوا هم أنفسهم أو أسلافهم واضعيها. لـهذا، لا يمكن لجمهور أن يبلغ التنوير إلا بتأن. فالثورة قد تطيح بالاستبداد الشخصي والاضطهاد المتعطش للمصلحة المادية أو السلطة، ولكن لا يمكن أن تؤدي أبدا إلى إصلاح حقيقي لنمط التفكير (8)، بل فقط إلى استخدام أحكام مسبقة جديدة، مثلما كانت تستخدم القديمة، كشريط موجه (9) للأغلبية التي لا تفكر.

وإنه من أجل هذا التنوير لا يتطلب الأمر شيئا آخر غير الحرية وبالضبط تلك الحرية الأقل ضررا بين كل ما يندرج تحت هذا اللفظ، أي حرية الاستعمال العمومي للعقل في كل الميادين. إلا أنني أسمع من جميع الجهات صوتا ينادي : لا تفكروا !(10) فالضابط يقول : لا تفكروا، بل قوموا بالتمارين ! وموظف المالية : لا تفكروا، بل سددوا المبالغ! ورجل الدين : لا تفكروا، بل آمنوا ! (هناك سيد واحد في العالم (11) يقول : فكروا بمقدار ما تريدون وفي كل ما تريدون، لكن أطيعوا.) وهكذا يتم هنا في كل مجال تقييد الحرية. ولكن أي تقييد للحرية يعوق التنوير؟ وأي تقييد لا يعوقه، بل بالأحرى يفيده؟ أجيب : إن استعمال الإنسان لعقله استعمالا عموميا يجب أن يكون دائما حرا، وهو وحده يمكن أن يؤدي إلى تنوير الناس؛ أما استعماله الخصوصي فيمكن غالبا تقييده بصرامة شديدة، دون أن يعوق ذلك بشكل خاص تقدم التنوير (12). أعني بالاستعمال العمومي لعقلنا الخاص ذلك الاستعمال الذي يقوم به شخص ما بصفته رجل فكر (13) أمام جمهور يتكون من عالم القراء بأكمله. أما الاستعمال الخصوصي فأعني به ذلك الذي يمكن أن يقوم به المرء بصفته يتقلد منصبا مدنيا أو وظيفة مدنية ما (14). ذلك أنه من الضروري لبعض الشئون التي تـهم مصلحة الجماعة (15) أن توجد آلية معينة يجب بواسطتها على بعض أعضاء الجماعة أن يتصرفوا فقط بسلبية (16)، حتى يمكن، بفضل توافق تصطنعه الحكومة، أن يتم توجيههم نحو المصالح العامة، أو، على الأقل، منعهم من إتلافها. فهنا بالطبع لا يسمح بالتفكير، بل يجب على المرء أن يطيع. ولكن من حيث إن هذا الجزء من الآلة يعتبر ذاته في نفس الوقت عضوا في جماعة بأكملها، بل وفي المجتمع العالمي، وتبعا لذلك يخاطب، من خلال كتاباته، جمهورا، معتمدا في ذلك على فهمه الخاص، فإنه يمكنه، بلا شك، أن يفكر دون أن تتأثر بذلك الشئون التي عين لتصريفها كعضو سلبي إلى حد ما. وهكذا سيكون من المفسد جدا أن يريد ضابط، خلال أداء عمله، المجادلة جهرا في صواب أو فائدة أمر تلقاه من رؤسائه، بل عليه أن يطيع. ولكن ليس من العدل أن نحرمه، بصفته رجل فكر، من إبداء ملاحظات حول عيوب الخدمة العسكرية وأن يعرض هذه الملاحظات على الجمهور ليحكم عليها. والمواطن لا يحق له أن يمتنع عن أداء الرسوم المفروضة عليه، بل إن طعنا وقحا في هذه المستحقات، إذا كان عليه أداؤها، أمر يجب أن يعاقب عليه بصفته فضيحة (قد يمكن أن تسبب عصيانا عاما). ومع ذلك، فإنه لن يخل بواجبه كمواطن، إذا عبر عموميا، بصفته رجل فكر، عن آرائه حول عيوب هذه المستحقات أو أيضا جورها. وكذلك فإن رجل الدين ملزم بأن يعلم تلامذته وجماعته حسب رمز (17) الكنيسة التي يخدمها، لأنه قد تم تعيينه في هذه المهمة على أساس هذا الشرط. ولكنه يتمتع، كرجل فكر، بكامل الحرية في أن يفضي للجمهور بكل أفكاره المدروسة بعناية والمنبثقة عن نية حسنة حول ما هو خاطئ في ذلك الرمز واقتراحاته الرامية إلى تدبير أفضل للنظام الديني والكنيسي؛ بل وإن هذا يعتبر جزءا من رسالته. وليس في ذلك أيضا ما يمكن أن يسبب له وخز الضمير. ذلك أن ما يلقنه، بناءا على وظيفته كقائم بأعمال الكنيسة، يقدمه لا كشيء يتمتع هو بحرية تقلينه وفق ما يحلو له، بل كشيء عين لتلقينه حسب تعليمات الغير وباسمه. إنه سيقول : تعتنق كنيستنا هذا الرأي أو ذاك؛ هذه هي الحجج التي تستند إليها. ثم إنه يجلب لجماعته كل المنفعة العملية من القواعد التي قد لا يقبلها هو ذاته باقتناع تام والتي تعهد مع ذلك بتدريسها، لأنه ليس من المستحيل تماما أن توجد بين طياتـها حقيقة كامنة، ولأنه على أي حال لا يوجد فيها على الأقل ما يتناقض مع الدين الداخلي. أما إذا كان يعتقد بوجود هذا التناقض، فإنه لن يستطيع القيام بوظيفته بكيفية ترضي ضميره؛ وفي هذه الحالة، سيكون عليه أن يتخلى عنها. إن استعمال المدرس الموظف لعقله أمام جماعته هو مجرد استعمال خصوصي، لأن هذه الجماعة تبقى مجرد تجمع عائلي حتى وإن كان كبيرا جدا؛ وهو كقسيس ليس حرا في هذا الاستعمال، ولا يحق أيضا أن يكون حرا فيه، لأنه ينفذ مأمورية كلفه بها الغير. وعلى العكس من ذلك، يتمتع رجل الدين في الاستعمال العمومي لعقله، أي بصفته رجل فكر يخاطب الجمهور الحقيقي، أي العالم، بحرية غير مقيدة في أن يستخدم عقله الخاص وأن يتلكم باسمه الشخصي. ذلك أنه من الحماقة التي تؤدي إلى تأبيد الحماقات أن يكون أوصياء الشعب (في الأمور الدينية) هم أنفسهم قاصرين أيضا.ولكن ألا ينبغي أن تتمتع هيئة من رجال الدين، مجمع كنسي مثلا، أو طبقة مبجلة (كما تسمى لدى الهولنديين (18) )بالحق في أن يلتزم أعضاؤها فيما بينهم قسما برمز معين غير قابل للتغيير، حتى يمارسوا، بل ويؤيدوا وصاية عليا دائمة على كل الأعضاء، وبواسطة هؤلاء على الشعب، أقول : إن ذلك غير ممكن تماما. إن مثل هذا التعاقد على منع كل استمرار في تنوير الجنس البشري هو باطل تماما، حتى وإن تم تأكيده من قبل السلطة العليا، من قبل برلمانات ومعاهدات السلم الأكثر رسمية. لا يمكن لعصر أن يتحد ويتفق على جعل العصر اللاحق في حالة تمنعه من توسيع معارفه (خاصة الملحة جدا) والتخلص من الأخطاء، وعموما التقدم في التنوير. فذلك سيكون جناية في حق الطبيعة البشرية التي تكمن غايتها الأصلية في هذا التقدم . وإن للخلف الحق كل الحق في أن يرفض تلك القرارات وأن يعتبرها غير مشروعة وطائشة.


إن محك كل ما يمكن إقراره على شعب كقانون يكمن في السؤال : هل يمكن لشعب أن يفرض على ذاته مثل هذا القانون؟ قد يكون هذا القانون ممكنا خلال زمن وجيز محدد لإرساء نظام معين، وذلك، إذا جاز التعبير، في انتظار قانون أفضل، على شرط أن تترك في نفس الوقت لكل واحد من المواطنين، وخاصة لرجل الدين، حرية أن يبدي عموميا، بصفته رجل فكر، أي من خلال كتابات، ملاحظاته على ما هو خاطئ في التنظيم الحالي؛ وفي أثناء ذلك يبقى النظام الذي تم إرساؤه قائما، إلى أن يبلغ فهم طبيعة الأشياء عموميا درجة متقدمة وأن تثبت صلاحيته إلى حد يسمح بأن يرفع للعرش بواسطة جمع الأصوات ( حتى وإن لم تكن كلها) اقتراح يرمي إلى حماية تلك الجماعات التي اتفقت مثلا انطلاقا من تصورها لفهم أفضل للأشياء، على تنظيم ديني مخالف، وذلك دون المساس بالجماعات التي تريد ترك الأمر على ما هو عليه. إنه من غير المشروع بتاتا الاتفاق، ولو خلال مدة حياة إنسان واحد فقط، على نظام ديني ثابت لا يمكن الشك فيه عموما، وبالتالي القضاء، إذا صح التعبير، على حقبة في مسيرة البشرية نحو التحسن، وجعلها غير مثمرة، بل وبسبب ذلك مضرة بالخلق. نعم، يمكن لإنسان أن يرجئ التنوير فيما ينبغي عليه معرفته، أما التخلي عنه، سواء بالنسبة لشخصه، أو أكثر من ذلك، بالنسبة للخلف، فهو خرق للحقوق المقدسة للإنسانية ودوس عليها بالأقدام. والحال أنه لا يحق للملك أن يقرر على شعبه ما لا يحق حتى لـهذا الأخير أن يقرره على ذاته، لأن نفوذه التشريعي يقوم بالضبط على أنه يوحد في إرادته الإرادة الشعبية بأكملها . وإنه إذا حرص فقط على أن يكون كل إصلاح حقيقي أو مفترض ملائما للنظام المدني، فيمكنه، فيما عدا ذلك، أن يترك رعاياه يقومون بما يرونه ضروريا من أجل خلاص نفوسهم؛ فإن ذلك ليس من مهامه، ولكن من مهامه بالفعل أن يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لغاية خلاص نفسه والتقدم في تحقيقه بكل ما يملك من مقدرة. إن تدخله في ذلك الأمر بممارسة المراقبة الحكومية على الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوراتهم، سينال من جلالته ذاتها، سواء أقام بذلك انطلاقا من تصوره الخاص الأسمى، فيعرض ذاته في هذه الحالة لمأخذ هو : Caesar non est supra Grammaticos (19)، أو وهو ما سينال من جلالته بكيفية أكبر بكثير، إذا ما أنزل سلطته العليا إلى حد دعم الاستبداد الديني الذي يمارسه بعض الطغاة في دولته ضد بقية رعاياه.


والآن إذا تساءلنا والحالة هذه : هل نعيش حاليا في عصر متنور؟ فسيكون الجواب : لا، ولكن نعيش بالتأكيد في عصر للتنوير. ففي الوضعية الراهنة للأشياء لا زال ينقص الكثير عموما، لكي يكون الناس في حالة تسمح لهم بأن يستخدموا، في الأمور الدينية، فهمهم الخاص بكيفية آمنة وجيدة، دون قيادة الغير، بل لا زال ينقص الكثير حتى لكي يصبح من الممكن نقلهم إلى هذه الحالة. ولكن، في مقابل ذلك، هناك علامات واضحة على أن المجال مفتوح أمامهم الآن حتى يهيئوا أنفسهم بحرية لتحقيق ذلك، وعلى أن عوائق التنوير العام، أو الخروج من القصور الذي يرجع إليهم، تتناقص تدريجيا.إن الملك الذي لا يرى من المشين به أن يقول بأنه يعتبر من الواجب ألا تفرض على الناس تعليمات في الأمور الدينية، بل أن تترك لهم في تلك الأمور الحرية التامة، والذي يدفع عن نفسه إذن حتى الاسم المترفع للتسامح، هو ذاته متنور، ويستحق أن يمدح من قبل كل من يعترف بالجميل في العالم وفي الأجيال اللاحقة بصفته أول من حرر الجنس البشري، على الأقل من جانب الحكومة، من القصور، وترك لكل شخص حرية استخدام عقله في كل الأمور التي تعود إلى الضمير تحت إمرة هذا الملك، يحق لرجال دين محترمين، دون مساس بواجبات وظيفتهم، أن يعرضوا على أنظار العالم، بصفتهم رجال فكر، بكيفية حرة وعمومية، أحكامهم وآراءهم التي تختلف ، في هذه النقطة أو تلك، عن الرمز الذي ينتمون إليه؛ ويحق ذلك أيضا، وبالأخرى، لكل شخص غير مقيد بواجبات أية وظيفة. إن روح الحرية هذه تنتشر أيضا خارج هذا المجال، حتى حيث يكون عليها أن تواجه عوائق خارجية تفرضها حكومة تسيء فهم دورها. إن ذلك يصلح كمثل يدل على أنه ليس هناك ما يخشى على الأمن العام ووحدة الجماعة في ظل الحرية. إن الناس يخلصون أنفسهم من تلقاء أنفسهم أكثر فأكثر من الخشونة، ما لم يتم العمل عمدا على تركهم في هذه الحالة.لقد وضعت النقطة الرئيسية للتنوير، أي لخروج الإنسان من القصور الراجع إليه هو ذاته، في الأمور الدينية أساسا، لأن حكامنا ليس لهم أية مصلحة في أن يلعبوا دور الوصاية على رعاياهم في مجال الفنون والعلوم؛ وفوق هذا، فإن ذلك القصور، فضلا عن أنه الأكثر ضررا، فإنه أيضا الأكثر مساسا بالكرامة. ولكن نمط تفكير عاهل يشجع التنوير يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أنه حتى في مجال التشريع، ليست هناك خطورة في أن يسمح لرعاياه باستعمال عقلهم الخاص استعمالا عموميا، وأن يعرضوا على العالم علنا أفكارهم حول شكل أفضل لـهذا التشريع، حتى وإن تضمنت نقدا صريحا للتشريع القائم. ولدينا على ذلك مثال ساطع لم يسبق فيه أي ملك ذلك الملك الذي نجله.ولكن من جهة أخرى، يمكن فقط لمن هو متنور لا يخاف الظلال والذي يتوفر في نفس الوقت على جيش وافر العدد ومحكم التنظيم لضمان الأمن العام، أن يقول مالا يمكن أن تتجرأ جمهورية على قوله : فكروا بمقدار ما تريدون وفي كل ما تريدون؛ ولكن أطيعوا! هكذا يتجلى هنا، وكذلك في مجالات أخرى، مسار غريب وغير منتظر للأمور البشرية، إذا لاحظناه في عموميته، بدا لنا أن كل شيء فيه تقريبا يحمل طابع المفارقة. إن قدرا أكبر من الحرية المدنية يبدو أنه مفيد لحرية روح الشعب، ومع ذلك، فإنه يضع أمامها حواجز لا يمكن تخطيها؛ وعلى العكس من ذلك، فإن قدرا أقل منها يفسح المجال للشعب كلي يتفتح حسب كل مقدرته. إذا كانت الطبيعة قد أخرجت من تحت هذه القشرة السميكة البذرة التي ترعاها بالكيفية الأكثر حنوا، أي الميل والاستعداد للتفكير الحر، فإن هذا الأخير يؤثر بدوره تدريجيا على خلق الشعب (الذي يصبح بذلك شيئا فشيئا أهلا لحرية التصرف)، ويؤثر أخيرا حتى على مبادئ الحكومة التي تجد هي ذاتها من المفيد أن تعامل الإنسان، الذي هو الآن أكثر من مجرد آلة، بما يتلاءم مع كرامته.


كوينجسبرج/بروسيا، في 30 شتنبر 1784 إ. كنط

Tuesday, November 27, 2007

جوبتر وسيميلي....لوحة زيتية لجوستاف مورو 1895....عالم اللاوعي بكل جلاله وروعتهكارل جوستاف يونج


يمثل عوليس بطلاً ميثولوجياً يعاني عذاباً شديداً ويجتاز المهالك، منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصراً إلى المكان الذي انطلق منه. على عوليس، البطل المستعدّ أبداً، أن يكابد طوال رحلته قدراً كبيراً من المعاناة النفسانية والذهنية والجسمانية. لكنه يبلغ بنجاح هدفه النهائي: الخلود.




النشيد الخامس...الألياذة :: لقد عاد إلى الديار جميعُ الأبطال الآخرين الذين نجوا برؤوسهم من الموت [...]، ولم يبقَ الا عوليس راغبًا مازال في الإياب وفي زوجه، إذ إن حوريةً جليلةً احتجزتْه قسرًا، على انفراد، في غياهب كهوفها – كاليپسو، الكلِّية الألوهية، المتحرِّقة إلى اتخاذه بعلاً




علي تلك الجزيرة يبقي عوليس وحده يمزقه حنين العودة لوطنه ايثاكي ولأهله ولزوجته ألا ان غرام الألهة كاليبسو به يمنعه من ذلك.......أن أسم كاليبسو المشتق من الفعل كالوبتين بمعني حَجَبَ يشي بشفافيته بسر القدرات التي تمثلها الألهة الحورية كاليبسو فهي في غياهب كهوفها ليست المحتجبة فقط ولكنها أيضا الحاجبة....فلكي تحجب كاليبسو عوليس لم تضطر الي خطفه أو انتزاعه مثل ثاناتوس (الموت) أو ايروس (الحب)




لا......فكاليبسو شأنها شأن حوريات البحر علي جزيرتها العجائبية.....تستطيع كاليپسو، هي الأخرى، أن تغني بصوت جميل، فتفتن عوليس بأن تشنف أذنيه بلا هوادة بابتهالات "ذات شجو........في تلك الأثناء تقنع أثينا زفس كبير ألهة الأولمب بأن يرسل هرمس _ المرشد النفسي_ لانقاذ عوليس




_____________________




هرمس ( الألعبان) مرشد النفوس


--------------------------


هو سيد اللا متوقع وألهة التخوم




من خلال نظرة علم نفس الاعماق الحديث فأن التزامنات اللامتوقعة تتمثل أسطورياً برمز وشخصية الألعبان.......، وقد كان هرمس هو الأكثر تطابقاً مع التزامن من بين الآلهة، بوصفه سيد اللامتوقَّع،




تقع الحوادث التزامنية بالانتقال بين الواقع النفسي والواقع المادي، أو بين الوعي واللاوعي، أو بين الواقع والخيال، أو بين الشائع وغير المتوقَّع. أما عن مغزى الألعبان في حياتنا، فلا أفضل من ملاحظة بلتون حين يقول عن الألعبان إنه "يدخل العالم البشري لكي يجعل الأشياء تجري [...] لكي ينقذ الناس من الدمار"




هذه الحوادث التي تمثل مصطلح التزامن قد تمثل أشكال عدة ......فالألعبان يتخذ اشكال عديدة مثل الخيال ( كنت أفكر في فلان الذي لم أكلمه منذ فترة بعيدة فأذا به يتصل بي تليفونياً) أو الحلم (حلمت بخالي حلم أزعجني وقد توفي بعد ذلك الحلم بشهر) أو زلات لسان ........ كما وقد يتصف الألعبان بالمكر والخديعة ليقوم باللصوصية وألعاب الظل، محققاً ما يُعرَف بالتزامنات المازحة والفاسدة، أو ألاعيب السعدان المضحكة والمزعجة. تُخرِج هذه التزامنات ما هو خبيء إلى العلن، وتكشف الأسرار، وتزيل الأقنعة، لتجبر الإنسان على مواجهة ذاته أولاً، والعالم ثانياً.


وبذلك يكون هرمس هو مرشد الأرواح للعالم السفلي ذلك العالم الذي يبدو تناظره النفسي واضح مع صورة اللاوعي البشري.....كما أن هرمس هو "الإله الذي يُخرِج محتويات هذا العالم السفلي إلى العلن عن طريق ألاعيبه التزامنية"

أما الدور الأبرز للألعبان فهو يبدأ عندما يتجاوز المرء مرحلة تحقيق غايات الأنا وتبدأ مرحلة النضج بالتوجه نحو "الذات

das selbst



....والسير في درب التَفَرْدُن


individuation


والتفردن بمعني من المعاني حسب تعبير يونج هو "صيرورة المرء فرداً


وهو بحسب يونج أيضا.....(يدفع إلى الواجهة الأمامية للشخصية بنسق من القيم أرفع من نسق الأنا ومقدّر له أن يستمر بعدها على ما يبدو. فهو بهذه المثابة يشكل استعداداً طبيعياً لنهاية الحياة التي هي بمعنى من المعاني غاية الحياة)


ولهذا التفردن سيرورة ما مبرهن عليها بوجود أفراد لا ينتهي التأسّي النفسي لديهم تبعاً لهذا الشكل المعتاد المحدود أو ذاك؛ إذ تتواصل المواجهة مع الخافية....و(الخافية هنا بمعني اللاوعي أو الذات في مقابل الأنا الخارجية)، بمساعدة عالِم النفس أو بدونها، وتفسح المجال لمكابدة اختبارات روحية يتجسد فيها معنى الحياة. ومثل هذا التطوّر يقلع عادة حوالى "وصيد الأربعين"، أي في مستهل النصف الثاني من العمر، ولا يُستحسَن التشجيع عليه قبلئذٍ إلا في حالات استثنائية عموماً؛ ذلك لأن المهمة الملقاة على عاتق الإنسان إبان النصف الأول من حياته هي "التلقين الخاص بالواقع الخارجي"، بتمكين أناه وتعزيزها وذلك بتوكيد نفسه في العالم الخارجي؛ بينما مهمة النصف الثاني هي "التلقين الخاص بالعالم الداخلي


يدفع التفردن إلى الواجهة الأمامية للشخصية بنسق من القيم أرفع من نسق الأنا ومقدّر له أن يستمر بعدها على ما يبدو. فهو بهذه المثابة يشكل استعداداً طبيعياً لنهاية الحياة التي هي بمعنى من المعاني غاية الحياة. إن يونغ يعلق أهمية نفسانية كبرى على ظاهرة الموت ويعزو إليها قيمة إيجابية، على كونه، كرجل علم، يمتنع عن البتّ في أمر آخرة محتملة. التفردن هو الثواب على رحلة طويلة مفعمة بالتصاريف والمصاعب والمواجهات في سبيل التأليف بين مضامين الخافية (الخافية بمعني اللاوعي أو الذات كما سبق أن أشرنا في الفقرة السابقة)...............وهو رحلة إيناع للشخصية ومعرفة للنفس متعاظمة يصبح بها الإنسان "ما هو إيّاه" حقاً، على حد تعبير غوته


هو الكنز الأنفس يحرسه التنين؛ هو "الجزّة الذهبية"؛ هو الغرال الأقدس؛ هو قِبلة القلب والدخول في قدس الأقداس. وإلى جانب الوحوش والغيلان، يكتظ الدرب المفضي إليه بالشخوص المسعِفة التي تعاون المرء على اجتياز ممرات محفوفة بالمخاطر، من نحو القرينة "مرافقة الموتى" psychopompe (مثل أرياذني وخيطها الذي يستعين به البطل ثيسيوس على الخروج من المتاهة labyrinthos الكريتية الشهيرة)، الحكيم الشيخ، الحيوان المرشد: الضفدعة، السلحفاة، الأرنب، الوعل، إلخ.



وبذلك تكون سيرورة التفردن هي غاية الألعبان......حيث يوفِّر حضورُ الألعبان منفذاً للذات إلى "منبع القدرة الخلاقة" بحسب تعبير مارك هولاند


عندها يبدأ "قانون التزامن" بالعمل في خدمة التفردن، حيث تتجاوز الذات حالة الصراع والتناقض، منضبطة داخلياً في سعيها نحو اكتمال كينونتها الروحية، فتحيط بالسائر توافقاتٌ مساعدة، دعاها أحد الحكماء بـ"تعاون الطبيعة"، تعينُه على المضي قدماً. وهذه التوافقات لا يتم استجلابُها، إنما هي عبارة عن انسجام وتناغم بين الداخل والخارج. إنه السير مع مجرى المصير وفقاً لسيرورة القدر


إن هذه الطريقة في العيش تعني أن يتخذ المرء موقفاً منفتحاً تجاه العالم، بالدخول في اللعب، الذي هو "اكتشافٌ للذات هنا والآن" بحسب تعبير أدوارد ويتمونت


يشتمل اللعب على عفوية وشغف وفضول واكتشاف، أي حالة إبداعية تؤدي إلى خرق تصوراتنا من خلال حوادث تزامنية.......

لا–أخلاقية a-moral


ولا اخلاقية هنا بعمني متجاوزة للأخلاق....... حيث "يمثِّل، على المستوى النفساني، استخفافَه التام بحالة المرء العقلية وقت أداء الحادث التزامني...........و من الأهمية بمكان تذكُّر أن الديانة البراهمانية البَدْرية كانت متجاوزة للأخلاق المجتمعية؛ وكذلك سلوك الخضر في سورة الكهف في القرآن، مما دفع بالنبي موسى إلى الاعتراض على لاأخلاقية أفعال الأول؛ لكنها لاأخلاقية تدل على حكمة عميقة الغور، تتجاوز ما هو شخصي ومؤقت في آن واحد.


الخفة والفكاهة، أي اللعب، تفسحان المجال للمرء للانفتاح على ما هو غير مألوف، بسبب غياب صرامته وجموده، مما يشكِّل حافزاً لاتِّباع الحدوس التي تُثار بسبب قلة أهمية النتائج بالمقارنة مع متعة اللعب؛ الأمر الذي يفتح أمام الإنسان آفاق تجربة جديدة هي، رغم تناقضها ولاعقلانيَّتها، حالة إبداعية تقود إلى التحرر والسعادة.
هذه الحالة من الانسجام في الإيقاع، والتناغم مع حركة العالم، تمنح معنى عميقاً لكون هرمس موسيقياً، ومخترعاً للقيثارة، ولكون الإله الهندي شيفا "سيداً" للرقص، و"رقصُه هو الذي يتصادى في جميع أرجاء الكون بوصفه الطاقة الإيقاعية التي هي في أساس جميع الأشياء


يخرج مارك هولاند وآلان كومبس ألي ان الخبرات التزامنية لها سمات يمكن ايجازها فيما يلي


أ‌. تجاوز الزمكان: بعض خبرات التزامن يتكشف عن معرفة تتحدى مفاهيمنا التقليدية عن الزمان والمكان.
ب‌. تخطِّي السببية: من أعظم تحديات التزامن للفكر الخطِّي طبيعتُه اللاسببية.
ت‌. الوحدة بين النفس والمادة: الارتباطات ذات المغزى بين العالمين المادي والموضوعي في خبرة التزامن تنطوي على وحدة بين النفس والمادة.





Thursday, April 05, 2007




كهف جميل أغبش تقدِّسه الحوريات اللواتي يدعين النيادات. وفي الكهف ثمة آنية كبيرة وجرتان حجريتان ذواتا عراوٍ، فيهما يحتفظ النحل بعسله… وله بابان، باب مفتوح على الشمال يجوز للبشر الفانين أن ينزلوا منه؛ وباب على الجنوب، مخصص بالحري للآلهة، لا يدخل منه البشر، إنما هذا هو طريق المخلَّدين.
في ذلك الكهف بدأ عوليس رحلته......سوف يعاني عوليس انطلاقاً من هناك عذاباً عظيماً ويؤدي مهمات صعبة، يرشده هرمس أو أثينا عبر بحر أسود غائم عظيم. وهو في طريقه سوف يقاسي مشقات عديدة يبتليه بها آلهة آخرون مثل بوسيذون. ولسوف يفقد بطلنا اتجاهه من شوط إلى آخر لكنه سوف يُنتشَل بأعجوبة بأمر من زفس. وخطوة خطوة سوف يغوص أعمق فأعمق في البحر المظلم المبهم، طوال الطريق إلى هاذِس، وحتى يبلغ بلاد الشمس، مروراً بسكيلا وخاريبذس. وإذ يحقق عوليس هدفه فإنه يعود أدراجه خطوة خطوة إلى حيث بدأ.
عوليس هو بطل من أبطال الاوديسا اليونانية وعندما نتأمل معاً تحليل كارل ج يونج العالم والطبيب النفسي الأشهر لموضوعات عوليس نجده يستفيض في الرموز الموجودة في الأسطورة ويعبر بها تحليلا لنطاق الرمز البشري الشامل والساكن في اللاوعي البشري الجمعي
كارل ج يونج : من التنويعات الأخرى على موضوعة البطل والتنين تنويعة الـكاتافاسيس،و النزول إلى الكهف تنويعة الـنيكِيا. فلنتذكر في الأوذيسة عندما ينزل عوليس إلى العالم السفلي لاستشارة تيريسياس العرّاف. موضوعة الـنيكِيا هذه نجدها في كل مكان في العصور القديمة على امتداد العالم كله عملياً. وهي تعبِّر عن الإوالية النفسانية لانطواء العقل الواعي في الطبقات الأعمق للاوعي. ومن هذه الطبقات يُشتَقُّ سياق مشخِّص ميثولوجي لاشخصي، هو النموذج البدئي، بعبارة أخرى
ذلك النموذج البدئي من كاتافاسيس ( البطل والتنين) و النيكيا ( النزول للكهف) نجده تقريبا في كل النماذج القصصية في الحكي الأسطوري أو الديني في تاريخ العالم القديم بأكمله كما أشار يونج فهو نموذج لبطل يحارب التنين الذي يمكن ان يشير في اللاوعي الجمعي للمصاعب التي تواجه الباحث عن الحقيقة في أعماق لاوعيه الذي يبدأ منه الضمير البشري والذي يمكن أن يكون رمزه هو ذلك الكهف..بعبارة أخري رحلة عوليس في ليل نفسه المظلم؛ في بحر لاوعيه المظلم المبهم
اللوحات بالترتيب من أعلي ليان بروغيل وفيها كاليبسو الحورية الخالدة رفيقة عوليس في تلك الجزيرة التي بدأت فيها احداث الأسطورة
واللوحة الثانية لأرنولد بكلن وفيها أيضا عوليس وكاليبسو...اللوحة الثالثة لجيرارد ليريس وفيها تتبلغ كاليبسو الأمر من زفس بترك عوليس يعود من رحلته

Thursday, February 15, 2007


جملة كثيرون قرأوها..أو علي الأقل سمعوا عنها. وكعادة ثقافتنا السطحية المعتمدة علي السمع والحكي لم يبحث أحد عن حقيقة هذه الجملة....أو لماذا قالها صاحبنا؟؟.......هو من الكفرة الفجرة وكفي

( الدين أفيون الشعوب)

كارل ماركس.....مؤسس الفكر الشيوعي

للوهلة الأول عند سماع الجملة ينتاب المرء الأرتباك والتساؤل والبعض يسرع للهتاف بأن قائل العبارة هو رجل ( أفيونجي حشاش كافر ابن كافرة) وكأنه أبو الحكم أبن هشام أو أحدي أكابر كفار قريش......مهلاً.....حتي لا تقفزون فوق ظهري وتسارعون بأتهامي بالدفاع عن ماركس أو انني شيوعي . فهذه من عادتنا الموروثة أيضا بسرعة أتخاذ الحكم بلا مداولة أوتمهل

تعالوا معي لنكمل بقية عبارة ماركس لنفهم ماذا يريد الرجل

(( أن الأنتعاش الديني هو تعبير عن الحالة الراهنة من جهة وأعتراض عليها من جهة أخري.أن الدين هو متنفس البشر المقموعين,هو الدفء في عالم لا مبال .كما أنه روحانية الظروف الاجتماعية السائدة التي لا مكان فيها للروح . الدين هو أفيون الشعوب ))

لو نظرنا للكلام السابق بعمق لوجدنا أن مفهوم القدرية والأتكالية المشهور كصفة لصيقة بالشعوب العربية بصفة عامة هو تعبير عن كلام ماركس بطريقة مختلفة وان كانت تحمل نفس المعني. فدائما هناك ظروف محيطة تجبرنا علي فعل ما لا نريده ولا تتيح لنا حرية الأحتيار ودائما هذه الظروف هي قضاء وقدر من الله ليس لنا فيها تدخل. والقسمة والنصيب هم دائما من يحددون خطط حياتنا ولا تدخل لأرادة الأنسان الحرة في أفعاله........فلان الفقير دوماً ما يلصق فقره بالقضاء والقدر و وهو مثال للسلبية والأهمال, لا يحرك ساكنا,مقموع, مهمش وغالبا ما يردد عبارات من أمثال القناعة كنز لا يفني وان الرضا رضا النفس.....كيف نتوقع من فلان ان يحرك وعيه بأتجاه قامعيه وظالميه لكي يدرك ان فقره هو نتيجة لأستكانته وسلبيته, بالطبع لا سبيل لذلك لأن فلان ربط وضعه المتردي بالسماء, وما دامت السماء هي المسئولة فليخرص الجميع ولا يتكلم أحد.....ان فلان يدرك أنه مهضوم الحق و أن غيره هو من سرق حقه في أن يعيش حياة كريمة آمنة ,هو يدرك ذلك جيداً ولكنه مكسور الهمة لا يستطيع ان يعبر عن الظلم الواقع تحت وطئته أما بسبب سلطة قمعية تمارس عليه من الخارج أو سلطة داخلية موروثة جمعياً في داخل اللاوعي الجمعي للشخصية العربية


الدين يخدر الشعوب عندما يخرج من هدفه الأساسي كحافز وواعز داخلي يربط بين حركية الأنسان علي الأرض والحياة الأخري ليصبح مجرد مظاهر شعائرية كصلاة او صوم ولا يلقي بظلاله علي حركة الانسان كمخلوق مبدع ناقد لكل ما هو سلبي وساعي لكل ما هو أيجابي ومدافعاً عن حقوقه من عدل ومساواة وحق في العيش حياة كريمة وآمنة بغير تجبر او تسلط من حاكم


الدين يخدر الشعوب عندما يستغله ما لا يعلمون عنه شيئاً في الأيحاء او قل أيهام الناس ان الدين هو عصب المجتمع من خلال برامج تليفزيونية تغرق شاشات الفضائيات وتحمل عنوانين براقة تجذب المشاهد وتستغل الدين كسلعة استهلاكية رائجة في السوق. تمتلأ هذه البرامج بشيوخ يلقون بفتاويهم الجامدة التي وضع أقربها في القرن الثالث الهجري في عصور تختلف البتة عن عصرنا هذا ويخرج المشاهد وكأنه تم تنويمه مغناطيسياً لمدة قليلة ربما تكون دقائق او ساعات او ربما ايام ليشعر أن الدنيا بخير وان الاحوال علي ما يرام مادام حملة الأيمان يستشرفون يوميا من خلال تلك البرامج....ان الاسغلال الاعلامي للدين ما هو الا نوع من انواع الاسستفادة من سلعة وجدت نفسها رائجة بين الناس ....فخلال سنوات من الوعظ والدعوة التي يحمل لؤائها الذين يدعون الدعاة الجدد كعمرو خالد وغيره لا نجد أثراً واضحا قد القي بظلاله علي الناس من تلك الجلسات الوعظية التي تنتهي ببكاء المشاهدين ولا حتي علي النطاق الاخلاقي الذي يزداد تفسخاً يوماً بعد يوم


الدين يخدر الشعوب حينما يتصور الناس ان كل بلاء يقع بهم هو قدر محتوم ولا يتفكرون قليلا ليجيبوا علي الأسئلة التي يقيناً ما تأتي في اذهانهم ويتغافلون عنها....لماذا البلاء دائما ما يقع عندنا؟....لماذا أكثر حوادث القطارات والباخرات التي تحمل الفقراء تقع في مصر ولا تحدث في الغرب او حتي دول الخليج ؟؟....قد تجد وقتها اجابات من نمط انما هو ابتلاء من ربكم وكأن المجيب قد تلقي الرسالة من السماء لتخبره ان غرق عبارة السلام هو ابتلاء سماوي لأننا مجموعة من العصاة ويستمر الظلام ليخيم علي الأحداث وليخفي الأسباب الحقيقية من فساد واهمال وتسيب وخلافه من اسباب هي السبب الحقيقي لتخلفنا والتي ترتبط ارتباط وثيق مع اتخاذنا الدين كوسيلة نرجع اليها حينما تشتد بنا وطأة الكوارث ونشعر ان علينا ان نبذل مزيد من المجهود .....في تلك الساعة....ساعة التنوير والعمل تجد المنوم جاهز للعمل لشل حركة الناس....قد يأتي هذا المنوم من الخارج بمزيد من البرامج الدينية والأحداث السياسية والأنتخابية التي توحي بأنتشار التيار الديني في السياسة كفوز الاخوان بمزيد من مقاعد مجلس الشعب مما يوحي للناس بأنه سيأتي اليوم التي تفك فيه المظالم عندما يحكم هؤلاء........وقد يأتي المنوم من الداخل....أعني من داخل انفسنا والتي اصبحت هي الأخري جاهزة لتبرير اي اسباب للسلبية والاتكالية وبطريقة دينية مقنعة للنفس ان كانت متهافتة اذا تم مناقشتها مناقشة منطقية